الكتاب ووسائل الإعلام
كتبهاasdeka alketaab ، في 31 ديسمبر 2005 الساعة: 04:53 ص
الكتاب ووسائل الإعلام
تسيطر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة على ساحة المشهد الثقافي والفني عامة. وأمر لا يحتاج للبرهان أن سيطرتها تفوق إمكانية وسائل الإعلام المكتوبة في الوصول إلى نفس المتلقي وعقله وأعصابه، هذه بحد ذاتها مسألة مؤرقة تقتضي الباحث والمفكر أن يقف إزاءها طويلاً ويبحث عن الحلول، ولم تقتصر المسألة (المأساة) على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة من إذاعة وتلفزيون وسينما. بل تعدتها إلى مدارات أكثر بعداً وإغراءً، عندما أتاحت التقنيات المحدثة لمفرزاتها من الإنترنت والحاسوب والبريد الإلكتروني أن يُحكم كل منها سيطرته على عقول الناشئة والدارسين.
لعل هذه المظاهر تبدو طبيعية وعادية في ملامحها الأولية. ولكنها تغدو خطرة وظاهرة مقلقة جداً، عندما تقف تلك الوسائل الإعلامية في مواجهة الكتاب، وتحاول طمس دوره وآثاره ورسالته عن طريق جذب القراء وإبعادهم عن مقاربة الكتاب بما تقدمه من إغراءات روحية بعيدة المدى. إن انخفاض الاهتمام بالكتاب، ما هو إلا ظاهرة بؤس ثقافي وفني قاد إليها سيطرة وسائل الإعلام على ساحة المشهد الثقافي والأدبي والفني عامة. وفي أيامنا الراهنة تقوم بين الكتاب ووسائل الإعلام الأخرى علاقة تنافر ومشاكسة، فكلما أوغلت وسائل الإعلام في نشر شبحها وإغراءاتها المتعددة، ضعف دور الكتاب وقلّ الاهتمام به، وهنا تكمن المأساة الثقافية عامة.
إنني والحالة هذه، أرى أن التمسك بقليل أو كثير من التفاؤل والبعد عن الإحباط، أمر ضروري جداً، لأن الانجراف وراء الإغراء الإعلامي لن يتعمق ويتعمق مع تتالي السنوات والأيام. بل لا بد له من الاصطدام بالواقع الحياتي، والارتداد إلى اعتماد الكتاب واسطةً ثقافية أولى وهامة جداً. وكي لا نقع في التشاؤم والسوداوية، فإن نظرة متأنية إلى المشهد الثقافي العالمي تدفع المتابع إلى الثقة بأن الأدب الحقيقي (الكتاب) ما يزال يجذب الناس ويتابع تحريك عقولهم ومشاعرهم. ففي الولايات المتحدة ذلك البلد الرتيب حيث وصلت وسائل الإعلام إلى التحكم الجزئي والكلي في كل شيء، يوجد أدب ضخم وكتب لا حصرلها يتداولها الناس بفنية وإتقان واسعين، ككتب جون إبدايك ووليم سارويان وغيرهما من كتاب كثيرين. حتى في اليونان مثلاً ذلك البلد الأوربي الصغير الذي لا يتربع على قمة الحضارة الأوربية، ما يزال للكتاب تأليفاً وترجمة سوقه الرائجة التي تنظر باستخفاف إلى محاولات وسائل الإعلام لإزاحته والحلول مكانه. إن الكتاب ثروة ثقافية على الدوام، مهما تعددت موضوعاتها فإنها تشكل وسيلة للتفاهم والاتحاد بين الناس حاضراً ومستقبلاً، شريطة أن تغوص في الأعماق الدفينة للوجود البشري، وتنطوي على مبادئ إنسانية، فمثل هذا الكتاب يحمل قيماً ثقافية نبيلة خالدة لا تمحى عبر الزمن.
من هنا فإن كل كاتب مدعو لأن يبدع مؤلفات وكتباً قائمة على أساس المعرفة والفهم العميقين للحياة والإنسان، وأن يجسد هذه المعرفة في أكثر الأشكال كمالاً، وفي سبيل ذلك لا بد من توفر شرطين هامين جداً لدى كل كاتب: امتلاك الموهبة الأصيلة، والصدق الفني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























